محمد بن لطفي الصباغ
133
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
الكتب السماوية فكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز أيضا ، وهذا الكلام ليس عليه أي دليل وهو غاية في مباعدة الحق . * أما الرأي الثاني فقد قال به جماعة من أهل العلم وحجتهم في ذلك أن رسم المصحف اصطلاحي لا توقيفي . قال أبو شامة : ( . . وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف فلا اعتبار بذلك في الرسم ، فإنه مظنة الاختلاف ، وأكثره اصطلاح ) « 1 » . ومن القائلين بهذا الرأي القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 ه وابن خلدون المتوفى سنة 808 ه وسنورد قول كل منهما فيما يأتي : قال القاضي الباقلاني : ( وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن وخطاطي المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه . إذ وجوب ذلك لا يدرك الا بالسمع والتوقيف ، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز الا على وجه مخصوص ، وحد محدود ، لا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ، ولا في اجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلت عليه القياسات الشرعية . بل السنّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر برسمه ، ولم يبين لهم وجها معينا ، ولا نهى عن كتابته بغيره ، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف « 2 » ، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ، ومنهم من كان يزيد أو ينقص لعلمه ان ذلك اصطلاح ،
--> ( 1 ) « المرشد الوجيز » 173 وانظر الأدلة الخمسة التي أوردها الكردي في كتابه « تاريخ القرآن وغرائب رسمه » ص 101 - ص 105 . ( 2 ) قال ابن تيمية في « الفتاوى » 13 / 420 : ( فإن مالكا كان يقول عن أهل الشورى ان لكل منهم مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان ) وانظر « المقنع » 92 و « تاريخ القرآن وغرائب رسمه » لمحمد طاهر الكردي ص 98 .